السعادة جنة الأحــلام و منتهى الآمال، كل البشر ينشدها، و قليل من يدركها، و مع اختلاف العباد و معايشهم و تباين وسائلهم وغاياتهم و تنوع لغاتهم و أجناسهم ، ومع افتراق مشاربهم و طموحاتهم، إلا أنهم متفقون على طلب السعادة؛ لتوجعهم من مكابد الحياة و آلامها، لطمعهم في حياة سعيدة هنيئة لا أحزان فيها و لا هموم، و نوال السعادة منحة من الرحمن يهبها لمن يشاء من عباده، فمنهم من ينعم في جناها، و منهم من يحرمها و يعيش في أمانيها، و الموفق من هدي إليها فسلكها و خطى إليها و عمل لها و جانب ما يضادها مما يجلب له الشقاء.
أحبتي:
بإذن الله ، هنا تفريغ لكتاب [.. خطوات إلى السعادة ..] لفضيلة الشيخ الدكتور: عبدالمحسن بن محمد بن عبدالرحمن القاسم، إمام و خطيب المسجد النبوي الشريف.
أسأل الله أن ينفع به و أن يجعله ذخراً لنا في الآخــرة. * أيــن أجـد السعــادة؟!
ظن بعض الناس أن السعادة في المال و الثراء، و منهم من توهمها في المنصب و الجاه، و منهم من طلبها في تحقيق الأماني المحرمة ، و الخلق في سعي حثيث لنيلها، و في جد و تشمير لتحصيلها، فمن مدرك لها و من محروم منها، ومن بائس شقي توهم السعادة على غير حقيقتها، فآثر دنياه على دينه، وهواه على آخرته، فجنى الوهم و الهم و كابد المعيشة و قاسى الأحزان.
و السعادة لن تنال إلا بتقوى الله عز و جل بطاعته و طاعة رسوله صلى الله عليه و سلم، و بالبعد عن المعاصي و السيئات، قال سبحانه : { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما} الأحزاب 70_71
قال شيخ الإسلام : [ الإيمان بالله و رسوله هو جماع السعادة و أصلها ] فتاوى شيخ الإسلام 193/20
فالحياة و ما فيها من متاع لا سعادة فيها بلا تقـوى.
قال الشاعـر:
و لست أرى السعــادة جمع مــال
................................و لكن التقــي هو السعــيد
فتقــوى الله خير الــزاد ذخــراً
................................و عند الله للأتقيــاء مزيــد
* طريـق السعــادة:
لا سبيل إلى السعادة إلا بطاعة الله، و من أكثــر من الأعمال الصالحة و اجتنب الذنوب و الخطايا عاش سعيداً و كان من ربه قريباً، قال سبحانه: { من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى فلنحيينه حياة طيبة } النحل 97
قال ابن كثير:
[ الحياة الطيبة تشمل وجوه الراحة من أي جهة كانت ] تفسير ابن كثير 2/908
و السعادة تزهو إذا حقق العبد توحيد ربه، و علق قلبه بخالقه، و فوض جميع أموره إليه.
قال ابن القيم:
[ التوحيد يفتح للعبد باب الخير و السرور و اللذة، و الفرح و الابتهاج ] زاد المعاد 202/4.
و السعادة يكتمل عقدها بالإحسان إلى الخلق مع ملازمة طاعة الله. قال شيخ الإسلام: [ و السعادة في معاملة الخلق: أن تعاملهم لله فترجو الله فيهم و لا ترجوهم في الله، و تخافه فيهم و لا تخافهم في الله، و تحسن إليهم رجاء ثواب الله لا لمكافأتهم و تكف عن ظلمهم خوفاً من الله لا منهم ] فتاوى شيخ الإسلام 51/1.
ومن ذاق طعم الإيمان ذاق حلاوة السعادة، و عاش منشرح الصدر مطمئن القلب ساكن الجوارح.
قال ابن القيم :
[ و سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: "إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لا يدخل جنة الآخرة" و قال لي مرة: " ما يصنع أعدائي بي أنا جنتي و بستاني في صدري إن رحت فهي معي لا تفارقني" ] الوابل الصيب ص 60.
* المحـرومُ من السعـادة:
الشقاء في اتباع الهـوى باقتراف المعاصي و السيئات، و لذات الدنيا المحرمة مشوبة بالمضار، و هي سبب الشقاء في الدنيا و الآخرة قال سبحانه: {و من أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً} [طه:124] أي في شدة و ضيق.
قال شيخ الإسلام: [كل شر في العالم مختص بالعبد، فسببه: مخالفة الرسول أو الجهل بما جاء به، و أن سعادة العباد في معاشهم و معادهم باتباع الرسالة] فتاوى شيخ الإسلام 93/19.
و الفرار من الشقاء إلى السعادة يكون بالتوبة و الإنابة إلى الله. قال ابن القيم: [و يغلق باب الشرور بالتوبة و الاستغفار] زاد المعاد 202/4.
فاطرق أبواب التوبة و أوصد أبواب المعاصي لتذوق طعم السعادة، فعافية القلب في ترك الآثام و الذنوب على القلب بمنزلة السموم إن لم تهلكه أضعفته و من انتقل من ذل المعصية إلى عز الطاعة أغناه الله بلا مال و آنسه بلا صاحب و الشقي من أعرض عن طاعة مولاه، و اقترف ما حرم الله.
*كيف أعرف أني سعيد؟
من جمع ثلاثة كان سعيداً حقاً: الشكر على النعم، و الصبر على الابتلاء، و الاستغفار من الذنوب.
قال ابن القيم:
[إذا أنعم عليه شكر، و إذا ابتلي صبر، و إذا أذنب استغفر، فإن هذه الأمور الثلاثة عنوان سعادة العبد، و علامة فلاحه في دنياه و أخراه، و لا ينفك عبد عنها أبداً] الوابل الصيب ص 6.
و إذا أطرقت ملياً تحاسب نفسك على تقصيرها، و تعظم زلاتها، و تخشى من هفواتها خوفاً من بارئها، و تتغافل عما قدمت من محاسن بين يديها طمعاً في ثواب خالقها، فتلك أمارة على نفسٍ تطلب حياة سعيدة.
قال ابن القيم:
[علامة السعادة أن تكون حسنات العبد خلف ظهره، و سيئاته نصب عينيه، و علامة الشقاوة أن يجعل حسناته نصب عينيه، سيئاته خلف ظهره] مفتاح دار السعادة 310/2.
فالسعيد من اتقى خالقه و حسنت معاملته مع الخلق، و شكر النعم و استعملها في طاعته، ة تلقى البلاء بالصبر و الاحتساب، و شرح الفؤاد يقيناً منه بأن الله يطهره بذلك و يرفع درجاته و استغفر ربه عن الخطايا وندم على الأوزار.
الإخـلاصُ لله طريق السعـادة
غنى العبد بطاعة ربه و الإقبال عليه، و إخلاص الأعمال لله أصل الدين و تاج العمل، و هو عنوان الوقار، و سمو الهمة، و رجحان العقل، و طريق السعادة، و لا يتم أمر و لا تحصل بركة إلا بصلاح القصد و النية، و قد أمر الله نبيه محمداً صلى الله عليه و سلم بالإخلاص في أكثر من آية، فقال له: {فاعبدِ الله مخلصاً له الدين} [الزمر:2] و قال: {قل الله أعبدُ مخلصاً له ديني} [الزمر:4]، فصلاح العمل من صلاح النية، و صلاح النية من صلاح القلب.
و أصل قبول الأعمال عند الله الإخلاص مع المتابعة، يقول ابن مسعود رضي الله عنه: [لا ينفع قول و عمل إلا بنية و لا ينفع قول و عمل و نية إلا بما وافق السنة].
و الإخلاص عزيز في جانب العبادات، يقول ابن الجوزي: [ما أقل من يعمل لله تعالى خالصاً لأن أكثر الناس يحبون ظهور عباداتهم] صيد الخاطر ص 251.
و يقول ابن رجب: [الرياء المحض لا يكاد يصدر من مؤمن في فرض الصلاة و الصيام، و قد يصدر في الصدقة الواجبة أو الحج و غيرهما من الأعمال الظاهرة أو التي يتعدى نفعها، فإن الإخلاص فيها عزيز، و هذا العمل لا يشك مسلم أنه حابط، و أن صاحبه يستحق المقت من الله و العقوبة] جامع العلوم و الحكم 79/1.
و قد افتتح بعض العلماء كالإمام البخاري في صحيحه، و المقدسي في "عمدة الأحكام" و البغوي في "شرح السنة" و "مصابيح السنة" ، و النووي في "الأربعين النووية" مصنفاتهم بحديث: (إنما الأعمال بالنيات) إشارة منهم إلى أهمية الإخلاص في الأعمال. و سفيان الثوري يقول: [ما عالجتُ شيئاً أشد علي من نيتي، لأنها تتقلب علي] و العمل من غير نية خالصة لوجه الله طاقة مهدرة، و جهد مبعثر، و هو مردود على صاحبه، والله تعالى غني حميد لا يقبل من الأعمال إلا ما كان خالصاً له سبحانه.
يقول أبو أمامة الباهلي رضي الله عنه: (جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه و سلم فقال: يا رسول الله، أرأيت رجلاً غزا يلتمس الأجر و الذكر له؟ فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: لا شيء له. فأعادها عليه ثلاث مرات و رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول له: لا شيء له، ثم قال: إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً و ابتغي به وجه الله) رواه أبو داود و النسائي.
و يقول عليه الصلاة و السلام : (قال الله عز و جل : "أنا أغنى الشركاء عن الشرك؛ من عمل عملاً أشرك فيه غيري تركته و شركه") رواه مسلم.
* الواجب في الإسـلام الإخـلاص مع كثـرة العمل:
العبرة في الإسلام ليست بكثرة العمل فحسب؛ إنما الواجب صحة الإخلاص لله و كثرة العمل الموافق لسنة المصطفى صلى الله عليه و سلم، و قد جمع ربنا ذلك في قوله تعالى: { و ما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء و يقيموا الصلاة و يؤتوا الزكاة و ذلك دين القيمة} [البينة:5] فجمعت هذه الآية الإخلاص و إقامة الصلاو و إيتاء الزكاة.
و العمل _ و إن كان كثيراً _ مع فقد صحة المعتقد يورد صاحبه النار، قال سبحانه: {و قدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثوراً} [الفرقان: 23].
و قال الفضيل بن عياض في قوله تعالى: {الذي خلق الموت و الحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً و هو العزيز الغفور} [الملك:2] قال: [أخلصه و أصوبه قالوا: يا أبا علي، ما أخلصه و أصوبه؟ فقال: إن العمل إذا كان خالصاً و لم يكن صواباً لم يقبل، و إذا كان صواباً و لم يكن خالصاً لم يقبل حتى يكون خالصاً صواباً، و الخالص أن يكون لله و الصواب أن يكون على السنة].
* ما هي الأعمال التي أخلص فيه لله؟!
بعض الناس يظن أن الإخلاص إنما هو فقط في الصلاة و قراءة القرآن و أعمال العبادات الظاهرة كالدعوة إلى الله و الإنفاق، و هذا غير صحيح؛ فالإخلاص واجب في جميع العبادات حتى زيارة الجار و صلة الرحم و بر الوالدين، فهذه مطلوب فيها الإخلاص، و هي من أجل العبادات، و كل فعل يحبه الله و يرضاه واجب فيه إخلاص النية مهما كان العمل، حتى في جانب المعاملات كالصدق في البيع و الشراء و حسن معاملة الزوجة و الاحتساب في إصلاح الأولاد و غيرها، يقول النبي صلى الله عليه و سلم: (و لست تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها حتى اللقمة تضعها في فيِّ امرأتك ) متفق عليه.
فكل أمر يحبه الله و يرضاه من الأقوال و الأعمال الظاهرة و الباطنة فهو عبادة، و وجب فيها الإخلاص و إن دق العمل. * ما هو الإخـلاص؟!
ضابط الإخـلاص:
أن تكون نيتك في هذا العمل لله لا تريد بها غير الله، لا رياء و لا سمعة و لا رفعة و لا تزلفاً عند أحد، و لا تترقب من الناس مدحاً و لا تخشى منهم قدحاً، فإذا كانت نيتك لله وحده و لم تزين عملك من أجل البشر فأنت مخلص، يقول الفضيل بن عياض: [ العمل لأجل الناس شرك و ترك العمل لأجل الناس رياء و الإخلاص أن يعافيك الله منهما ].
فأخلص جميع أعمالك له سبحانه و لا تتطلع لأحد، و أدخل نفسك في قوله تعالى: { قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ } [الأنعام: 162_163 ].
* أثـر الإخـلاص:
إذا قوي الإخلاص لله وحده في الأعمال ارتفع صاحبه إلى أعالي الدرجات، يقول أبو بكر بن عياش: [ما سبقنا أبو بكر بكثير صلاة و لا صيام، و لكنه الإيمان وقر في قلبه و النصح لخلقه].
و في هذا يقول عبدالله بن المبارك: [ رب عمل صغير تعظمه النية، و رب عمل كبير تصغره النية ] و بالعمل القليل مع الإخلاص يتضاعف الثواب، يقول النبي صلى الله عليه و سلم: (من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب و لا يقبل الله إلا الطيب فإن الله يقبلها بيمينه، ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل العظيم) [فلوه: الفلو: المهر: و هو ولد الفرس] متفق عليه.
قال ابن كثير في تفسيره 317/1 : في قوله تعالى: {والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم} [البقرة: 261] قال أي بحسب إخلاصه في عمله.
و إذا قوي الإخلاص و عظمت النية و أخفي العمل الصالح مما يشرع فيه الإخفاء، قرب العبد من ربه، و أظله تحت عرشه، يقول النبي صلى الله عليه و سلم: (سبعة يظلهم الله في ظله ... و ذكر منهم: (ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه) [متفق عليه].
* بركـة العمـل في الإخــلاص و إن قل العمـل:
إذا أخلص العبد النية و عمل عملاً صالحاً و لو يسيراً فإن الله يتقبله و يضاعفه.
يقول النبي صلى الله عليه و سلم: (لقد رأيت رجلاً يتقلب في الجنة في شجرة قطعها من ظهر الطريق كانت تؤذي المسلمين) [رواه مسلم].
و في رواية: (مر رجل بغصن شجرة على ظهر طريق، فقال: والله لأنحين هذا عن المسلمين لا يؤذيهم، فأدخل الجنة).
فبإخلاصه مع يسر العمل أدخله الله الجنة برحمته.
و تأمل في المرأة البغي التي عملت أعمالاً قبيحة، ثم عملت عملاً يسيراً في أعين البشر، و هو سقاية كلب، و ليس إنساناً، فغفر الله لها بذلك العمل اليسير مع سوء عملها من البغي، يقول النبي صلى الله عليه و سلم: ( بينما كلب يطيف بركية قد كاد يقتله العطش، إذ رأته بغي من بغايا بني اسرائيل، فنزعت موقها فاستقت له به فسقته، فغفر لها به) [يطيف: يدور/ الركية: البئر/ الموق: الخف] [متفق عليه].
* بالنيةِ الصادقةِ تنال ثواب العمل و إن لم تعمل:
الكرم من صفات رب العالمين، و العبد إذا أحسن القصد و لم تتهيأ له أسباب عمل الصالحات، فإنه يؤجر على ذلك الفعل و إن لم يعمله كرماً من الله و فضلاً، يقول جابر بن عبدالله رضي الله عنه: كنا مع النبي صلى الله عليه و سلم في غزاة فقال: (إن بالمدينة لرجالاً ما سرتم مسيراً و لا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم، حبسهم المرض) و في رواية: (إلا شركوكم في الأجر) [رواه مسلم].
و رواه البخاري عن أنس رضي الله عنه قال: رجعنا من غزوة تبوك مع النبي صلى الله عليه و سلم فقال: (إن أقواماً خلفنا بالمدينة ما سلكنا شعباً و لا وادياً إلا و هم معنا حبسهم العذر).
و يقول النبي صلى الله عليه و سلم عن الرجل الذي لا مال عنده و ينوي الصدقة و يقول: لو أن لي مالاً لعملتُ بعمل فلان، قال عنه النبي صلى الله عليه و سلم: (فهو بنيته فأجرهما سواء) [رواه الترمذي و قال حديث حسن صحيح].
و في صحيح البخاري و مسلم عن ابن عباس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه و سلم فيما يرويه عن ربه تبارك و تعالى قال: (إن الله كتب الحسنات و السيئات ثم بين ذلك فمن هَمَّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، و إن هَمَّ بها فعملها كتبها الله عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة).
فالمسلم يجعل نيته في كل خير قائمة، يقول عمر ابن الخطاب رضي الله عنه: [أفضل الأعمال صدق النية فيما عند الله].
و من سره أن يكمل له عمله فليحسن نيته، فإن الله يأجر العبد إذا حسنت نيته حتى باللقمة.
يقول النبي صلى الله عليه و سلم: (و لست تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها، حتى اللقمة تضعها في فِيِّ امرأتك) [متفق عليه].
يقول زبيد اليامي:
[اِنْوِ في كل شيء تريد الخير حتى خروجكَ للكناسة].
و يقول داود الطائي:
[رأيت الخير كله إنما يجمعه حسن النية].
و كان السلف الصالح يحثون على حسن النية في كل أمر صالح، يقول يحيى بن كثير:
[تعلموا النية فإنها أبلغ من العمل].
* ثَمَـراتُ الإِخْـلاَص:
العمل الصالح لا يقبل إلا بالإخلاص، وبدون إخلاص يرد العمل و لو كثر، و الإخلاص مانع بإذن الله من تسلط الشيطان على العبد قال سبحانه عن إبليس: { قال فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِين * إِلاَّ عِبَادكَ مِنْهُم المُخْلِصين } [ص: 82_83]، .
و المخلص محفوظ بحفظ الله من العصيانِ و المكاره، قال سبحانه عن يوسف عليه السلام: { كذلِكَ لِنَصرِفَ عنهُ السوءَ و الفحشَاء إنه من عبادنا المخلصين } [يوسف: 42_]، . و بالإخلاص رفعة الدرجات و طرق أبواب الخيرات، يقول النبي صلى الله عليه و سلم: (إنّك لن تخلف فتعمل عملاً تبتغي به وجه الله إلا ازددت به درجة و رفعة)[متفق عليه].
في الإخلاص طمأنينة القلب و شعور بالسعادة و راحة من ذل الخلق.
يقول الفضيل بن عياض:
[من عرف الناس استراح] إذا عرف أنهم لا ينفعونه و لا يضرونه استراح من الناس.
* كَيفَ أكون مخلصاً لله في جميعِ أعمالي؟!
الشيطان يتعرض للإنسان ليفسد عليه أعماله الصالحة، و لا يزال المؤمن في جهادٍ مع عدوه إبليس حتى يلقى ربه على الإيمان بربه و إخلاص جميع أعماله له وحده، و من أهم عوامل الإخلاص:
1/ الدعـاء:
الهداية بيد الله و القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، فالجأ إلى من بيده الهداية و أظهر إليه حاجتك و فقرك، و اسأله دوماً الإخلاص و قد كان أكثر دعاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه: [ اللهم اجعل عملي كله صالحاً، و اجعله لوجهكَ خالصاً، و لا تجعل لأحدٍ فيه شيئاً .]،
2/ إخفـاء العمـل:
كلما استتر العمل مما يشرع فيه الإخفاء كان أرجى للقبول و أعز في الإخلاص، و المخلص الصادق يحب إخفاء حسناته كما يحب أن يخفي سيئاته؛ لقوله عليه الصلاة و السلام: (سبعةٌ يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله إمام عادل، و شاب نشأ في عبادة الله، و رجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه و تفرقا عليه، و رجل دعته امرأة ذات منصب و جمال فقال إني أخاف الله، و رجل تصدق بصدقةٍ فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، و رجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه) [متفق عليه].
يقول بشر بن الحارث : [لا تعمل لتذكر، اكتم الحسنة كما تكتم السيئة]. و قد فضلت نافلة صلاة الليل على نافلة النهار و استغفار السحر على غيره؛ لأن ذلك أبلغ في الإسرار و أقرب إلى الإخلاص.
3/ النظـر إلى أعمـال الصالحين ممن هم فوقك:
في أعمالك الصالحة لا تنظر إلى أعمال رجال زمانك ممن هم دونك في المسابقة إلى الخيرات، و تطلع دائماً إلى الإقتداء بالأنبياء و الصالحين يقول سبحانه: {أُولئكَ الذينَ هَدى اللهُ فبِهُداهمُ اقْتَـدِهْ} [الأنعام: 90_]، .
و اقرأ سير الصالحين من العلماء و العباد و النبلاء و الزهاد، فهو أرجى لزيادةِ الإيمان في القلب.
4/ احتقـار العمـل:
آفة العبد رضاه عن نفسه، و من نظر إلى نفسه بعين الرضا فقد أهلكها، و من نظر إلى عمله بعينِ العجب قل معه الإخلاص، أونزع منه أو حبط العمل الصالح بعد العمل، يقول سعيد بن جبير: [دخل رجل الجنة بمعصية، و دخل رجل النار بحسنة، فقيل له: و كيف ذلك؟ قال: عمل رجل معصية فما زال خائفاً من عقاب الله من تلك الخطيئة فلقي الله فغفر له من خوفه منه تعالى، و عمل رجل حسنة فما زال معجباً بها و لقيَ الله بها فأدخله النار].
5/ الخـوف من عـدم قبـول العمـل:
كل عمل صالح تفعله احتقره و إذا عملته كن خائفاً من عدم قبوله.
و لقد كان من دعاء السلف: [اللهم إنا نسألك العمل الصالح و حفظه] و من حفظه عدم العجب و الفخر به؛ بل يبقى الخوف من عدم قبوله معلقاً، يقول سبحانه: {و لا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً تتخذون أيمانكم دخلاً بينكم أن تكون أُمة هي أربى من أمة إنما يبلوكم الله به و ليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون} [النحل: 92_]، .
و روى الإمام أحمد و الترمذي أن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت : (يا رسول الله ، {و الذين يؤتون مآ ءاتوا و قلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم يرجعون} هو الذي يسرق و يزني و يشرب الخمر و هو يخاف الله؟ قال: لا يا بنت أبي بكر الصديق، و لكنهم الذين يصلون و يصومون و يتصدقون و هم خائفون ألا يتقبل منهم).
قال ابن كثير في تفسيره 248/3 في تفسير قوله تعالى : {و الذين يؤتون مآ ءاتوا و قلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم يرجعون} [اي يعطون العطاء و هم خائفون وجلون أن لا يتقبل منهم؛ لخوفهم أن يكونوا قد قصروا في القيام بشرط الإعطاء].
و الإخلاص يحتاج إلى مجاهدة قبل العمل و أثنائه و بعده.