على مثل أبي مرام فلتبك البواكي
وكل أناس سوف تدخل بينهم دويهية تصفر منها الأنامل
الحمد لله الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وصلى الله وسلم على محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا أما بعد:
ففي فجر الجمعة 27/7 / 1431 من الهجرة انتقل إلى الدار الآخرة حميد الشيم الكريم المفضال باذل المعروف للبعيد والقريب الشيخ الدكتور عبدالرحمن بن سليمان المطرودي وكيل وزارة الشؤون الإسلامية لشؤون الأوقاف رحمه الله رحمة واسعة
لقد فقده الجميع وظهر ذلك على المشيعين له ، فقدته وزارته التي أحبها وبذل لها وقته وجهده ؛ فقده زملاؤه في العمل الذين أحبوه وبكوا لفراقه؛ فقده الفقراء والمحتاجون الذين عاشوا على كفه الندية؛ فقده طلاب الحاجات والشفاعات؛ فقده أبناء محافظة الشماسية الذين كان بهم حفيا؛ فقده أهله وأقاربه الذين كان لهم كالأب الرحيم؛ فقده أبواه وكان بهما برا رحيما.
ولقد تذكرت عند شهود جنازته قول الإمام أحمد: (بيننا وبينكم الجنائز) وتمثلت قول الشاعر
:
وما كان قيس هلكه هلك واحد ولكنه بنيان قوم تهدما
كان رحمه الله غاية في التواضع والبساطة فقد كان رحمه الله يسكن مع والديه في بيت قد يأنف بعض من هم دونه في المنزلة والرتبة عن السكن في مثله ومع ذلك كان يدعو في ذلك المنزل الوزراء والوجهاء والعلماء ، كان رحمه الله متبسطا في كلامه وهيئته ولا أزال أذكر موقفا حصل لي معه في طفولتي وذلك أنه دعانا إلى وليمة في منزل والده فلما حضر الغداء دعاني للجلوس بجانبه وأنا طفل في أوائل الابتدائية وفي أثناء الطعام التفت إليه وقلت له ببراءة الأطفال: يا دكتور ما هو خط الاستواء؟ فترك الأكل وأقبل علي بوجهه وبدأ يشرح لي معنى ذلك فو الله ما نسيت هذا الدرس العظيم في التواضع.
وذكر لنا أحد الجيران ممن لا تربطه بالشيخ أي صلة بأن ابنه كان قادما من القصيم إلى الرياض فتعطلت سيارته قال: فوقف عندي شخص وساعدني ولم ينصرف حتى أصلحت السيارة ثم أعطاني رقم جواله لأتصل عليه إن احتجت فسألته من أنت؟ فقال عبدالرحمن المطرودي فعلمت أنه وكيل الوزارة
وصدق الله ( تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين)
تواضع إذا ما نلت في الناس رفعة فإن رفيع القوم من يتواضع
كان رحمه الله كريما جوادا بذل ماله وجاهه للفقراء والمحتاجين والأضياف وكان يدعو بعض الناس إلى الغداء أو العشاء فيستعد لذلك كما يستعد الكرماء الأجواد فيلومه بعض الناس على ذلك فما كان يلتفت إلى ذلك اللوم وبقي على ذلك حتى لقي ربه
تراه إذا ما جئته متهللا كأنك تعطيه الذي أنت سائله
كان لديه رحمه الله استراحة خارج الرياض فكان يقول لبعض أقاربه: لن أرتاح حتى يكون فيها شيء يأكل منه الناس ويستفيدون منه.
كان رحمه الله مخلصا في عمله مجتهدا في إتقانه ولقد استفاض لدى جميع العاملين في الوزارة أنه كان من أوائل من يأتي صباحا ولا يخرج غالبا إلا بعد العصر أو قبيل المغرب حتى إن كثيرا من أصحاب الحاجات كانوا يأتون إلى مكتبه في الوزارة قبل بداية الدوام الرسمي لعلمهم بأنهم سيجدونه قبل مجيء كثير من الموظفين، وقد اشتهر عنه لدى العاملين في الوزارة نزاهته وعفته _ وقد صرح بعضهم بذلك وقت تشييع جنازته _ مع كون المنصب الذي يشغله على درجة كبيرة من الأهمية والحساسية ولقد هاتفني معزيا أثناء كتابة هذه السطور فضيلة الشيخ الدكتور عبدالله الدوسري عضو مجلس الشورى وقال لي كنت مع بعض الزملاء من أعضاء مجلس الشورى في لقاء مع الفقيد رحمه الله العام الماضي فسألناه عن الأوقاف فتكلم بكلام مفصل ودقيق يدل على دقته وإحاطته ثم تكلم عن حساسية هذا المرفق وثقل الأمانة المناطة بهم
قال الشيخ عبدالله: فلما تكلم عن الأمانة وأهميتها ووجوب رعايتها استعبر وبكى فتأثر جميع الحاضرين بهذا الموقف الذي يدل على شعوره رحمه الله بالمسؤولية واستشعاره للأمانة لسان حاله:
أرعى الأمانة لا أخون أمانتي إن الخؤون على الطريق الأنكب
وكان رحمه الله باذلا جاهه وشفاعته للناس جميعا حتى إن الشخص إذا جاءه لطلب حاجة أو شفاعة بين له الأصلح والأنفع وسعى في تحصيل تلك المنفعة له من غير إضرار بالآخرين وكم أتاه شخص فقال أريدك أن تكلم فلانا في موضوع معين فيقول لا بأس وأكلم أيضا الأمير أو الوزير فلان فيشعر السائل بالغبطة والسرور لهذا الاهتمام الكبير، وقد قضى الله على يديه كثيرا من الحاجات وفرج الله به كروب خلق كثير.
ولا أزال أذكر أني لما كنت طالبا في المعهد العلمي استأذنت من المعهد وذهبت إليه في الوزارة ومعي أوراق لأتقدم بها لطلب مطبوعات الوزارة فرغبت إليه أن يكتب على خطابي توصية لوكيل الوزارة لشؤون المطبوعات فقال لي: أعطني الأوراق وألحق بدروسك في المعهد لا يضيع عليك العلم وأنا سأتولى الأمر بإذن الله فيسر الله الأمر على يديه ولم تكن هذه آخر مننه علي غفر الله له وجزاه عني خير الجزاء وأوفاه ، وقد كان كثيرا ما يذهب بنفسه لقضاء حاجات الناس والشفاعة لهم في الأمور الخاصة والعامة كما كان يسعى بين الخصوم بالصلح ويدفع الأموال الطائلة في سبيل ذلك ولقد كنت أظنه يتمثل قول الشاعر:
فرضت علي زكاة ما ملكت يدي وزكاة جاهي أن أعين وأشفعا
فإذا ملكت فجد وإن لم تستطع فاجهد بوسعك كله أن تنفعا
كان رحمه الله بارا بوالديه وله في ذلك مواقف عجيبة فقد بقي رحمه الله حتى توفي وهو يسكن مع والديه طلبا لرضاهما لأن والدته كرهت خروجه لبيت آخر كما أن والديه لم يقبلا أن ينتقل بهما لبيت كبير يليق به فآثر البقاء معهما حتى انتقل إلى جوار ربه رحمه الله وكان يحرص على الذهاب بهم _ إذا رغبا_ إلى استراحته في نهاية الأسبوع ليستجما ويأنسا بالأشجار والنخيل وله مواقف كثيرة لا تحصى غفر الله له ورحمه.
وبعد هذه الحياة الحافلة بالجد والاجتهاد والعمل الدؤوب مع التواضع وإنكار الذات يخرج أبو مرام من بيت من بيوت الله مؤديا لصلاة فجر الجمعة ويدخل البيت فيفاجأه الأجل على هذه الهيئة الحميدة والخاتمة الحسنة متطهرا مصليا مع جماعة المسلمين
.
ثوى طاهر الأردان لم تبق بقعة غداة ثوى إلا اشتهت أنها قبر
عليك سلام الله وقفا فإنني رأيت الكريم الحر ليس له عمر
وإن الذي دعاني لكتابة هذه الأسطر هو الوفاء لهذا العلم الأشم ، والدعوة للاقتداء به فإن كثيرا من أبناء الأمة أصيبوا بفقر عظيم في الأخلاق فلعل أخلاق هذا الرجل وأمثاله تحيي الهمم وتبعث العزائم للعودة إلى أخلاق النبوة.
اللهم اغفر للشيخ عبدالرحمن واخلفه في عقبه بخير
اللهم أسكنه الفردوس الأعلى من الجنة
اللهم إنه قد فرج كربات بعض المكروبين من هذه الأمة اللهم فرج كربته وارفع درجته وألحقه بالصالحين
اللهم ألهم أهله الصبر والسلوان
اللهم آجرنا في مصيبتنا واخلف علينا خيرا منها
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله
وكتبه/ عادل بن عبدالله المطرودي
الأحد 29/ 7/ 1431
اللهم ان ابي ضيف عندك يا أكرم الاكرمين فأكرمه
ووسع مدخله واغسله بالماء والثلج والبرد
ونقه من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الابيض من الدنس
اللهم واجعل قبره روضة من رياض الفردوس
واقه يارحم الراحمين من عذاب القبر وفتنته
والهمنا الصبر والسلوآآن
تفضلوا بزيارة صفحة الشيخ الدكتور عبدالرحمن المطرودي http://www.facebook.com/profile.php?id=100001347924952 .gif) .gif) |