في كل مرةٍ أتأمل فيها القرآن أشعر أنني لازلت بعيداً -هـ عن جوهر مراد الله ..
مركز القرآن الذي تدور حوله قضاياه لازلت أشعر بالمسافة الكبيرة بيني وبينها..!!
تتعدد الموضوعات في القرآن لكن الخيط الناظم هو هو .. القضية التي يدور حولها القرآن ويربط كل شيء بها هي "عمارة النفوس بالله" ..
كنت أتأمل –مثلاً- في أوائل المصحف، في سورة البقرة، كيف حكى الله تعجب الملائكة (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا؟)[البقرة، 30] ثم يربي الله فيهم تعظيم الله ورد العلم إليه (قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ)[البقرة، 30]..
وكنت أتأمل بعد ذلك في سورة البقرة نفسها كيف يعدد الله نعمه على بني اسرائيل في ست آيات، فيها أنه فضلهم على العالمين، وأنه نجاهم من آل فرعون، وأنه فرق بهم البحر فأغرق آل فرعون، وأنه عفا عنهم بعد اتخاذهم العجل، ثم بعد هذا التعديد العجيب لقائمة النعم، يختم بوظيفة ذلك كله (لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) .. كل هذا السياق يراد به عمارة النفوس بالله بأن تلهج الألسنة والقلوب بتذكره وشكره تعالى..
وكنت أتأمل كيف يصف القرآن حالة القلوب التي غارت ينابيع الإيمان فيها وأمحلت من التعلق بالله، حتى قارنها الله بأكثر الجمادات يبوسة في موازنة لا تخفي الأسى والرثاء.. يقول تعالى (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً)[البقرة، 74] ثم يكمل في تلك المقارنة المحرجة (وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ..) حتى الحجارة تلين وتخضع وتتفجر وتتشقق وتهبط.. ومالمراد من هذا المثل؟ هو عمارة النفوس بالله (وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ)..
وكنت أتأمل كيف ذكر الله مسألة من مسائل شروط الصلاة وهي (استقبال القبلة)، ثم تغييرها بين بيت المقدس والكعبة، وبرغم كونها مسألة فقهية بحتة، إلا أن القرآن ينبهنا أن وظيفة هذه الحادثة التاريخية كلها هي "اختبار" النفوس في مدى تعظيمها واستسلامها لله؟ هذا جوهر القضية! (وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ)[البقرة، 143] ..
ولما ذكر الله مناسك الحج وأعمالها وشعائرها.. ووصل للحظة اختتام هذه المناسك وانقضائها، أعاد الأمر مجدداً لربط النفوس بالله وإحياء حضور الله في القلوب (فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ)[البقرة، 200] .. واعجباه .. تنقضي المناسك وما يعتري المرء فيها من النصب، لتربط النفوس مجدداً بالله.. برغم أن الحج أصلاً مبناه على ذكر الله بالتلبية والتكبير ونحوها، فالقلب في القرآن من الله .. وإلى الله .. سبحانه وتعالى..
وكنت أتأمل كيف ذكر الله حالة "الخوف" من الأعداء ونحوها، فلم يسقط الصلاة، بل أمر الله بها حتى في تلك الأحوال الصعبة، (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ** فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا)[البقرة، 238-239] حسناً هذا في حال الخوف فماذا سيكون في حال الأمن؟ تكمل الآية (فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ)[البقرة، 239] ..
رجعت مرةً أخرى إلى بداية الآية وأخذت أتأمل المحصلة، وإذا بها في حال الأمن والخوف يجب أن يكون القلب معلقاً بالله.. بالله عليك أعد قراءة الآية متصلة (فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ)[البقرة، 239].. القرآن يريد النفس البشرية مشدودة الارتباط بالله جل وعلا في جميع الأحوال.. يريد من المسلم أن يكون الله حاضراً في كل سكنة وحركة..
وكنت أتأمل كيف يذكر الله النصر العسكري ليربط النفوس بالله (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)[آل عمران، 123]..
وحتى حين ذكر الله المعاصي والخطايا إذ يقارفها ابن آدم فإن القرآن يفتح باب ذكر الله أيضاً (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ
وكنت أنظر كيف يصوّر القرآن أوضاع الجلوس والقيام والاسترخاء.. وكيف تكون النفس في كل هذه الأحوال لاهجة بذكر الله (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ)[آل عمران، 191].. يذكر الله وهو واقف .. يذكر الله وهو جالس .. يذكر الله وهو مضطجع.. أي تعلق بالله .. وأي نفوس معمورة بربها أكثر من هذه الصورة المشرقة.. سألتك بالله وأنت تقرأ هذه الآية ألا تتذكر بعض العبّاد المخبتين من كبار السن الذين لا تكف ألسنتهم عن تسبيح وتحميد وتكبير .. هل ترى الله حكى لنا هذه الصورة عبثاً؟ أم أن الله تعالى يريد منا أن نكون هكذا .. نفوساً مملوءة بربها ومولاها لا تغفل عن استحضار عظمته وتألهه لحظة واحدة
ولما ذكر الله البلد الذي لا يستطيع المؤمن فيها إظهار شعائره وأمر بالهجرة إلى بلد آخر؛ لم يجعل الأمر مجرد هجرة من مكان جغرافي إلى آخر، بل جعل القضية "هجرة إلى الله" ذاته، كما يقول تعالى (وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ)[النساء، 100] .. فالأمر في صيغته الحسية مجرد هجرة من بلد إلى بلد، لكنه في ميزان القرآن "هجرة إلى الله ورسوله" ..
ومن أعجب مواضع القرآن في ربط النفوس بالله وعمارتها بربها، ولا أظن أن ثمة دلالة أكثر من ذلك على هذا الأمر: (صلاة الخوف حال الحرب)، هذه الشعيرة تسكب عندها عبرات المتدبرين..
وقد تكفل القرآن ذاته بشرح صفتها، وجاءت في السنة على سبعة أوجه معروفة تفاصيلها في كتب الفقه .. بالله عليك تخيل المسلم وقد لبس لأمة الحرب، وصار على خط المواجهة، والعدو يتربص، والنفوس مضطربة قلقة، والأزيز يمخر الأجواء، والدم تحت الأرجل.. ومع ذلك لم يقل الله دعوا الصلاة حتى تنتهوا، بل لم يقل دعوا "صلاة الجماعة" ! وإنما شرح لهم كيف يصلوا جماعة في هذه اللحظات العصيبة (وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ)[النساء، 102]..
هل تعرف في الدنيا كلها شاهد على حب وتعظيم الله جل وعلا للارتباط بالله واستمرار مناجاته أكثر من ذلك.. بل هل يوجد رجل فيه شئ من الورع وخوف الله يهمل صلاة الجماعة وهو في حال الأمن والرفاهية وعصر وسائل الراحة؛ وهو يرى ربه تعالى يطلب من المقاتلين صلاة الجماعة ويشرح لهم تفاصيل صفتها بدقة، وهم تحت احتمالات القصف والإغارة؟!
هل تستيقظ نفوس افترشت سجاداتها في غرفها ومكاتبها تصلي "آحاداً" لتتأمل كيف يطلب الله صلاة "الجماعة" بين السيوف والسهام والدروع والخنادق..؟!
أترى الله يأمر المقاتل الخائف المخاطر بصلاة الجماعة، ويشرح له صفتها في كتابه، ويعذر المضطجعين تحت الفضائيات، والمتربعين فوق مكاتب الشركات؟! هل تأتي شريعة الله الموافقة للعقول بمثل ذلك؟!
المصلين فضلاً عمن دونهم، ربما يتحدث الواحد منا عن عظمة الصلاة في الإسلام، وأنها أعظم ركن بعد الشهادتين، وأنها الخط الفاصل بين الكفر والإيمان، ونحو هذا من معاني مركزية الصلاة، ولكن لماذا شرع الله الصلاة وأحبها وعظمها سبحانه؟ إنها بوابة استحضار الله وتذكره، يقول الله سبحانه (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي)[طه، 14] هكذا بكل وضوح.. يقيم المسلمون الصلاة ليتذكرون الله جل وعلا.. يكبرونه ويسبحونه ويناجونه..
بل وحتى حين ذكر الله الجوارح المعلمة في الصيد لم يذكر تعليمها مغفلاً هكذا .. بل يربطه بالحقيقة العقدية الإيمانية ليستمر القلب موصولاً بعظمة الله .. تأمل كيف ينبه المسلم على ذلك (وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ)[المائدة، 4] .. حتى تعليم الجوارح والكلاب الصيد يجب أن يستحضر المؤمن أنها تعليم مما علم الله .. ما أشد كثافة حضور العلاقة بالله في القرآن..
وأخذ القرآن مرةً يستثير ذكرياتٍ للصحابة كاد الكفار فيها أن يفتكوا بهم، فينبش القرآن هذه الوقائع التاريخية ليرتفع بالقلوب إلى الله الذي نجاهم، يقول تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ)[المائدة، 11].
ثم يحدثك القرآن عن ظاهرة المصائب والأضرار التي تصيب الإنسان في حياته الشخصية، وبالرغم من أن الله شرع لنا اتخاذ الأسباب، كالأدوية للشفاء من المرض، والتماس الرزق لرفع الفقر، إلا أن القرآن يكثف دائرة الضوء على أمرٍ آخر أهم وهو أن يرتبط الفؤاد بالله سبحانه وتعالى وهو يصارع هذه البلاءات، تأمل كيف يصوغ القرآن هذا المعنى، يقول الله:
(وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)[الأنعام، 17]
لعلك لمحت معنى آخر، وهو أن الآيتين كليهما لم يتحدثا فقط عن أن كاشف الضر هو الله، بل المدهش أنهما أشارتا كذلك إلى أن من مسّك بهذا الضر هو الله سبحانه أيضاً!
فحين يتعمق المؤمن في أسرار هذه الآيات فيمتلئ قلبه باليقين بأن من مسّه بالفقر أو المرض هو الله، وأن من سيرفع هذا الضر، فيغنيه ويعافيه؛ هو الله أيضاً، فصار مبتدأ الأمر ومنتهاه من الله وإلى الله، فماذا بقي في القلب لغير الله!
الله وحده –جل جلاله- هو الذي أوقعه، والله وحده –جل جلاله- هو الذي سيرفعه! هكذا يتبحر المؤمن في حقائق العلم بالله والإيمان به وعمارة النفوس بمهابته سبحانه..
هذا هو الدرس الأساسي في ظاهرة المصائب الجالبة للهموم الفردية والمجتمعية، كالفقر والمرض والأزمات الاقتصادية والكوارث الطبيعية، يريد الله جل وعلا أن تكون جسراً إليه سبحانه، يريد الله بها أن توقظ قلوبنا فتستكين لله، وتتضرع له سبحانه، وتتعلق به جل وعلا، قارن هذا بنمط تعاملنا مع هذه الظواهر يستبِن لك بعدنا عن الحقيقة الكبرى الناظمة للقرآن..
ومن التعابير الشمولية التي استعملها القرآن لتربية هذه الحقيقة الكبرى في النفوس قول الله سبحانه في خواتيم سورة الأنعام (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)[الأنعام، 162]
فانظر كيف شملت هذه الآية أصول العبادات، والحياة، والممات؛ وجعلت كل ذلك لله سبحانه.. قد يعرف الكثير من الناس اليوم كيف يصلي لله، وكيف يحج لله.. لكن القليل من الناس يدرك كيف يحيا حياته لله، وكيف يموت لله؟! وهذه الآية العظيمة تزكي النفوس بهذا المقام العظيم الذي هو لب القرآن..
ويحدثنا مطلع سورة الأنفال عن معركة بدر، ثم تفاعلاتها وتطوراتها بين الاستيلاء على قافلة قريش أو المواجهة العسكرية، حتى يصل السياق إلى النصر العظيم الذي حققه المسلمون في قتالهم لجيش الكفار وسحقهم.. أتدري أين العجب في ذلك كله، أن القرآن بعد شرح هذه الأحداث المتلاحقة يعقب تعقيباً مدهشاً في تربية التعلق بالله ونسبة الفضل له سبحانه، بالله عليك تأمل هذا التعقيب القرآني على غزوة بدر:
(فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى)[الأنفال، 17]
يالله العجب .. فالصحابة المجاهدون هم الذين قاتلوا، والنبي –صلى الله عليه وسلم- هو الذي رمى التراب وقال "شاهت الوجوه"، ومع ذلك يقول القرآن: لا، لستم أنتم الذين قتلتموهم، ولا أنت يارسول الله الذي رميت، ولكنه الله سبحانه هو الذي قتلهم، وهو الذي رمى، والمعنى أن الله هو الذي أظفركم بهم، لكن من شدة نسبة الفضل إلى الله نسب إليه الفعل ذاته! فانظر كيف تُشرَع القلوب إلى السماء وتتخلص من حبال التثاقل إلى الأرض..
وإذا تأمل متدبر القرآن هذه الآية (وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى) لوجد فيها إثباتاً ونفياً، فأثبت لرسول الله رمياً، ونفى عنه رمياً آخر، فالمثبت هو الحذف والإلقاء، والمنفي هو الإيصال والتبليغ، كما حرره ابو العباس ابن تيمية، وذكر –رحمه الله- في موضع آخر في الآية ثلاثة أوجه وناقشها، وهي في الفتاوى(15/39) لمن أراد التوسع.
ويقول الله في سورة فصلت:
(وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ)[فصلت، 51].
والله إنني أشعر بالخجل وأنا أعلق على هذه الآيات.. ما أكثر ما يلح المرء على ربه إذا عرضت له حاجة، فإذا تحققت حاجته وحصّل غرضه طارت به الفرحة فأنسته التبتل بين يدي ربه شكراً وحمداً وثناءً..
أليس هذا هو المرور كأن لم يدع الله إلى ضر مسه؟! أليس هذا هو نسيان ما كان يدعوا إليه من قبل؟! أليس هذا هو الإعراض والنأي بعد ذلك "الدعاء العريض" ؟! يارب عفوك وسترك..
والمراد أنه إذا تأمل متدبر القرآن كيف كرر الله في تصويرات متعددة ذم من يدعوا الله في حال الضر، ويغفل في حال العافية؛ علم أن الله يريد أن يكون القلب معلقاً بالله في كل حال..
ولما كلف الله موسى –صلى الله عليه وسلم- بالرسالة، طلب موسى من الله أن يجعل له وزيراً يعينه على مهمة الرسالة وهو أخوه هارون، لكن ما هو المقصود الأبعد من هذا التعاون والتعاضد بين الأخوين؟ شاهد كيف يشرح موسى وظيفة الاستعانة بأخيه هارون في سورة طه:
(واجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا)[طه، 29-34]
أظنك لاحظت هذا الحضور العجيب لـ(ذكر الله) في بنية الرسالة، موسى يقول لربه اجعل معي هارون كي نسبحك ونذكرك كثيرا! من أجل التسبيح والذكر!
هل انتهى الأمر عند هذا الحد؟ لا، بل إن الله تعالى يرسل موسى وهارون إلى فرعون ويوصيهما مرةً أخرى بلهج اللسان بذكر الله، فيقول الله في نفس السورة، سورة طه، بعد الموضع السابق بآيات معدودة:
(ذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي)[طه، 42]
موسى يريد توزير أخيه ليتعاونا على تسبيح الله وذكره، وربهما يرسلهما ويقول لا تنيا أي لا تفترا ولا تضعفا ولا تكسلا عن ذكري .. لاحظ المهمة الجسيمة التي سيتحملانها وهي مواجهة أعتى نظام مستبد في التاريخ بما يستفز كبرياءه، ومع ذلك يقول الله لهما "ولا تنيا في ذكري"..
لو قدّم اليوم بعض الدعاة نصيحة للثوار على الحكومات العربية الفاسدة بأن يكثروا من (ذكر الله) لعدّ كثير من المستغربين ذلك دروشة وسذاجة! برغم أن موسى يجعل ذكر الله مظلةّ لمهمته الكبرى، والله جل جلاله يؤكد عليهما بأن لا يفترا عن الذكر.. فما أكثر الشواهد المعاصرة على غُربة مفاهيم القرآن، وبعد كثير من شباب المسلمين عنها إلا من وفق الله..
هذه الظاهرة في القرآن -أعني ظاهرة كثرة الحديث عن ذكر الله- لا أظنه سيخالف فيها من تأملها بإذن الله، ويستطيع متدبر للقرآن ملاحظتها بسهولة، وإنما الشأن في تفسير هذا الموضوع، أو على الأقل محاولة إدراك العلاقة بين (ذكر الله) و (القلب البشري).. فما العلاقة بين الذكر والقلب ياترى؟ هناك آيتان عظيمتان في كتاب الله أشارتا إلى سر هذه العلاقة، يقول الله في سورة الأنفال:
(إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ)[الأنفال، 2]
ويقول الله في سورة الحج: (وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ* الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ)[الحج، 34-35]
لا أظنه فاتك هذا السر الذي نبهت إليه الآيتان، انظر كيف يربط القرآن بين الذكر وحركة القلب "إذا ذكر الله وجلت قلوبهم" .. بالله عليك ألا تدهشك هذه العلاقة؟
لقد جبلت النفوس البشرية على التعلق بالدنيا، والغفلة عن الآخرة ؟!
وإذا تشبع قلب متدبر القرآن بـ لآلئ القرآن وجواهره أثمرت له في نفسه عجائب الإيمان..
وأصبح لا يسكن قلبه غير الله جل جلاله.. وبرأ قلبه من الحول والقوة إلا بالله سبحانه.. وصار ينزل حاجاته بالله.. واصبح يشعر برياح القوة والإمداد الإلهي كما نقل الإمام ابن تيمية (ولهذا قال بعض السلف "من سره أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله")
فليتأمل كل منا كيف سينظم الحياة المستقبلية على أساس القرآن.. ولينظر كلٌ منا ما هو أساس حياته؟!
جعل الله ما خطيته لنا في ميزان حسناتك..
لقد تدبرت كل كلمة في موضوعك ,,
وأحسست برجفة بداخلي,,
ما اروع ما خطته يدك,,
ستر الله عليك في الدنيا والآخرة ..
وجعلنا وإياك من المتدبرين للقران ,, والذاكرين لله
أسأل الله أن يكثر من أمثالك ويجعلك نبراسا لكل رجل..